مركز المعجم الفقهي

7900

فقه الطب

- بحار الأنوار جلد : 59 من صفحة 332 سطر 12 إلى صفحة 334 سطر 20 والحاصل أنك إذا تناولت من الغذاء أكثر من قدر الحاجة يصير ثقلا على المعدة ، وتعجز الطبيعة عن التصرف فيه ، ولا ينضج ، ولا يصير جزء البدن ويتولد منه الأمراض ، ويصير سببا للضعف ، " وكذلك الماء " أي ينبغي أن تشرب من الماء أيضا قدر الحاجة . " فسبيله " أي طريقه وأكله وإدامه ، وفي بعض النسخ " وكذلك سبيلك " أي طريقتك التي ينبغي أن تسلكها وتعمل بها . " في أيامه " أي في كل يوم تأكل الطعام فيه ، أو في أوقاته ، فإن اليوم يطلق على مقدار من الزمان مطلقا وفي بعض النسخ " إبانه " بكسر الهمزة وتشديد الباء ، أي حينه . والقرم - محركة - : شدة شهوة اللحم ، ثم اتسع حتى استعمل في الشوق إلى الحبيب وكل شيء . " فإنه أصلح لمعدتك " فإنه يسهل عليها الهضم " ولبدنك " فإنه يصير جزء له . " وأزكى لعقلك " أي أنمى . وفي بعض النسخ بالذال ، وهو أنسب ، لأن الذكاء سرعة الفهم وشدة لهب النار ، وذلك لأن مع امتلاء المعدة تصعد إلى الدماغ الأبخرة الردية ، فتصير سببا لغلظة الروح النفساني وقلة الفهم وتكدر الحواس . " وأخف على جسمك " فإن البدن يثقل بكثرة الأكل . " كل البارد في الصيف " يحتمل أن يكون المراد بالبارد البارد بالفعل كالماء الذي فيه الجمد والثلج ، أو البارد بالقوة بحسب المزاج كالخيار والخس ، وكذا الحار يحتملهما . وذلك لأنه لما كان في الصيف ظاهر البدن حارا بسبب حرارة الهواء ، فإذا أكل أو شرب الحار بأحد المعنيين اجتمعت الحرارتان ، فصار سببا لفساد الهضم وكثرة تحليل الرطوبات . وكذا أكل البارد وشربه في الشتاء يصير سببا لاجتماع البرودتين الموجب لقلة الحرارة الغريزية . ومنه يظهر علة رعاية الاعتدال في الفصلين المعتدلين . وقوله عليه السلام " على قدر قوتك وشهوتك " إعادة لما مر تأكيدا ، وإشارة إلى أن كثرة الأكل وقلته تختلفان بحسب الأمزجة ، فالمزاج القوي والمعدة القوية يقدران على هضم كثير من الغذاء ، وصاحب المزاج الضعيف والمعدة الضعيفة ، قليل من الغذاء بالنسبة إليه كثير . " وابدأ في أول الطعام " هذا إشارة إلى الترتيب بين الأغذية ، بأنه إذا أراد أكل غذاء لطيف مع غذاء غليظ بأيهما يبدأ ، فحكم عليه السلام بالابتداء باللطيف من الغذاء وكذا ذكره بعض الأطباء ، فإنه إذا عكس فيسرع إليه هضم اللطيف ، والغذاء الغليظ لم يهضم بعد ، وهو في قعر المعدة قد سد طريق نفوذ المهضوم إلى الأمعاء ، فيفسد المنهضم ويختلط بالغليظ فيفسده أيضا ، ويصير سببا للتخمة . وجوزوا ذلك فيما إذا كانت المعدة خالية من الغذاء والصفراء ، وكان في غاية الاشتهاء وأكل قليل من الغذاء الغليظ ، ومر عليه زمان حصل فيه بعض الهضم ثم أكل اللطيف ليتم هضمها معا في زمان واحد . وإذا ابتدأ في تلك الحالة بأكل اللطيف اشتملت عليه المعدة وأسرع في هضمه ، فإذا أكل الغليظ بعده لم تقبله المعدة ، فتنفرت منه فيفسد . ومنهم من منع من الابتداء باللطيف مطلقا ، معللين بأنه إذا ورد المعدة وأخذت في هضمه كان هضمه قبل الغليظ ، فينفذ في الأمعاء ويختلط به بعض غير المنهضم من الغليظ ، ويصل إلى الأمعاء ، ويصير سببا للسدة . ومنهم من منع من الجمع بينهما مطلقا ، وما ورد في الخبر على تقدير صحته هو المتبع . ثم شرع عليه السلام في بيان زمان الأكل ومقدار الأزمنة بين الأكلات ، فجعل له طريقين : أحدهما أن يأكل في كل يوم أكلة واحدة عند مضي ثمان ساعات من النهار والثاني أن يأكل في كل يومين ثلاث أكلات ، والاعتياد بهما لا سيما بالأول أعون على الصوم ، وعلى قلة النوم ، لكنهما مخالفان لما ورد من الأخبار في فضل التغذي والتعشي ، وفضل مباكرة الغذاء ، وفضل السحور في الصوم وغير ذلك من الأخبار . ويمكن حمله على أنه عليه السلام علم بحسب حال المخاطب أن ذلك أصلح له فأمره بذلك ، فيكون ذلك لمن كانت معدته ضعيفة لا تقدر على الهضم مرتين في كل يوم ، وقد جرب أن ذلك أصلح التدابير لأصحاب تلك الحالة . أو يكون المراد بالغذاء ما يأكله بقدر شهوته من الأغذية الغليظة المعتادة ، فلا ينافي مباكرة الغذاء بشيء قليل خفيف ينهضم في ثمان ساعات ، ويمنع من انصباب الصفراء في المعدة . بل يمكن أن يكون ما ذكره عليه السلام من الابتداء بأخف الأغذية إشارة إلى ذلك فيحصل عند ذلك المباكرة في الغذاء كل يوم والتعشي أيضا ، لأن بعد ثمان ساعات يحصل التعشي بأكثر معانيه .